Skip to main content

المعادلات تتغير: المنطقة العربية بين المظلة الأمريكية والردع الإقليمي

تتحرك الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط بخطوات سريعة لا تتيح للمتابع فرصة لالتقاط أنفاسه. وبينما تتواصل حرب غزة ويزداد الاستقطاب الدولي والإقليمي، تتخذ كبار الدول العربية والإسلامية قرارات استراتيجية تُشعر المراقب أن هناك إحساسًا بالخطورة يتجاوز الحسابات اليومية والخلافات التقليدية. في هذا السياق، أعلنت كل من مصر وتركيا عن تنفيذ مناورات بحرية مشتركة تحت اسم بحر الصداقة، وهي الأولى منذ ثلاثة عشر عامًا، لتفتح الباب أمام قراءة جديدة لمعادلات القوة، ورسائل الردع، وإمكانيات توحيد الجهود في مواجهة العدو الإسرائيلي الذي لم تترد الأنظمة الرسمية في المنطقة في تسميته باسمه الصريح.

منذ عام 2012 لم تشهد مياه شرق المتوسط أي مناورة تجمع الأسطولين المصري والتركي. لذلك فإن اختيار القاهرة وأنقرة هذا التوقيت لإحياء التعاون العسكري ليس مجرد تفصيل عابر في اجندة المناورات العسكرية المشتركة، بل هو انعكاس لتحول استراتيجي أعمق. فالمناورة، المقررة بين 22 و26 سبتمبر 2025، تحمل دلالة على أن الخلافات السياسية بين البلدين—والتي بلغت ذروتها بعد 2013—يمكن تنحيتها جانبًا عندما يصبح الخطر أكبر من الخصومة. التوصيفات الخشنة التي عبرت عنها وزارة الخارجية المصرية وبعض العسكريين الحاليين أو السابقين ذوي الصفة تظهر تصريحاتهم أن عداءً لا تخفيه الدولة المصرية اتجاه ما يحدث، أردوغان سبق أن اتهمها بارتكاب جرائم حرب في غزة، ما يجعل الرسالة التي تحملها قطعهم البحرية إلى شرق المتوسط واضحة لا تحتاج إلى كثير من التفسير: هناك خطوط حمراء جديدة، وهذه المناورة جزء من رسمها.

لكن ما يلفت الانتباه ليس فقط اللقاء المصري–التركي، بل أيضًا ما يوازيه من تحركات في دوائر عربية وإسلامية أخرى. في بيانات رسمية وغير رسمية، لم يخف قادة من جماعة الإخوان المسلمين موقفهم المؤيد لتشكيل قوة عربية–إسلامية مشتركة. بل إن القائم بأعمال المرشد العام للإخوان في مصر، الدكتور محمود حسين، صرح بشكل واضح أن الخلاف السياسي مع النظام القائم في مصر يجب أن يُنحى جانبًا أمام مواجهة الخطر الوجودي مع العدو الاسرائيلي، مؤكدًا استعداد الإخوان لتقدم الصفوف جنودًا للدفاع عن الوطن. هذه التصريحات، مهما اختلفت القراءات بشأنها، تعكس أن الحرب في غزة فرضت أولويات جديدة، وأن حالة الاستنفار الشعبي والسياسي لم تقتصر على الأنظمة، بل امتدت لتشمل قوى الحركات المعارضة.

في المقابل، تظهر الساحة الإقليمية مشهدًا أكثر تعقيدًا مع الاتفاق الدفاعي بين السعودية وباكستان، الذي ينظر إليه كثيرون باعتباره تطويرًا لشراكة استراتيجية قديمة. فالمملكة، التي لطالما دعمت المشروع النووي الباكستاني ماديًا وسياسيًا، تعتبر اليوم أن ارتباطها بإسلام آباد لا يقتصر على التدريب العسكري أو التعاون الاستخباراتي، بل يصل إلى مستوى الردع النووي. وقد زاد من وضوح هذه الرسالة ما أعلنه وزير الدفاع الباكستاني لوكالة أسوشيتد برس الأمريكية بأن برنامج بلاده النووي سيكون متاحًا للسعودية إذا دعت الحاجة بموجب اتفاق الدفاع الجديد. واللافت أن هذا التوجه يعكس ما أورده الصحفي الأميركي بوب وودوورد في كتابه الحرب – (2024)، عن تسريبات لقاء جمع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالسيناتور الأمريكي ليندسي غراهام بعد السابع من أكتوبر، حيث طلب بن سلمان من واشنطن ضمانات تسمح له بتخصيب اليورانيوم داخل السعودية لتنويع مصادر الطاقة. وحين رد غراهام محذرًا من أن العالم سيخشى أن يتحول التخصيب إلى صناعة قنبلة نووية، كان جواب بن سلمان صادمًا وصريحًا: “لست بحاجة إلى اليورانيوم لصنع قنبلة، سأشتري واحدة من باكستان”. هذه العبارة، مهما حاول البعض التقليل من قيمتها، أو اعتبارها دعابة صدرت من ولي العهد السعودي، تلخص بدقة التحول في التفكير السعودي من موقع الدولة التي تحتمي بالمظلة الأمريكية إلى دولة تبحث عن مظلة نووية إسلامية مصدرها إسلام آباد. وقد رأت السعودية ما حدث مؤخراً لقطر حين لم تمثل القواعد الأمريكية خطًا أحمر أمام إسرائيل، ما جعلها أكثر إدراكًا أن عليها البحث عن مظلات ردع إضافية. ولم يتوقف التحرك السعودي عند باكستان، بل اتجه أيضًا نحو تركيا، حيث كشفت وزارة الدفاع السعودي عن لقاء مساعد وزير الدفاع «خالد البياري» برئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية «خلوق غورغون» في إسطنبول، لبحث التعاون في مجال الصناعات الدفاعية. ولعل لقاء السيسي المفاجئ قبلها بولي العهد السعودي في زيارة غير رسمية بعد فترة من التوتر في العلاقات لم يكن على طريقة “مسافة السكة” للدفاع، وإنما “مسافة السكة” لنزع التوتر، فالسعودية تتحرك في اتجاه باكستان وتركيا وهي تعلم أن مصر جزء من المعركة بحكم الجغرافيا، ومن المهم لها كدولة تبحث عن أمنها ومكانتها في المنطقة تأجيل التوترات والخلافات مع النظام المصري بعد حالة الفتور المستمرة والتلاسن منذ شهور والذي عكسه المشهد الإعلامي بين الطرفين. وإلى جانب ذلك، برز تصريح الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم في مفاجأة غير مسبوقة حين دعا علنًا في بيان متلفز إلى فتح حوار مع السعودية بمحددات اسمها المقاومة، مؤكدًا أن “لا وقت لإضاعته”، والرسالة كما تبدو جلية كانت طمأنة مباشرة إلى الرياض من جانب حزب الله.

إن ربط هذه التطورات ببعضها—من المناورة البحرية المصرية–التركية، إلى الموقف الرسمي للإخوان في مصر، وما دعى إليه الأمين العام لحزب الله من حوار مع السعودية، وصولًا إلى الاتفاق السعودي–الباكستاني— والتحرك السعودي اتجاه التكنولوجيا التركية الدفاعية، يكشف أننا أمام إحساس جماعي بالخطر يجمع أطرافًا متباينة. فإسرائيل، التي كانت تستند طيلة السنوات الماضية إلى خلافات المنطقة وانقساماتها، تجد نفسها اليوم أمام مشهد جديد: دول وأنظمة وحركات سياسية تدرك أن لحظة المواجهة ربما تقترب أكثر من أي وقت مضى. هذا لا يعني بالضرورة أن الوحدة العربية–الإسلامية صارت أمرًا واقعًا، لكنه يشير إلى حالة وعي مشترك بأن ترك الساحة فارغة يضاعف من الخسائر ويعطي إسرائيل مساحة أكبر لتنفيذ مخططاتها.

في السياق ذاته، لا يمكن إغفال بوادر التقارب المصري–الإيراني. فرغم ما يقال عن حذر القاهرة في فتح قنوات واسعة مع طهران، إلا أن اللقاءات الأخيرة التي جرت بين مسؤولين من الجانبين حملت رسائل ذات معنى. ففي وقت تُتهم فيه إيران أنها عدو للمعسكر الأمريكي وخطر على المنطقة وأنها تلعب دورًا مباشرًا في دعم فصائل المقاومة في غزة ولبنان، اختارت القاهرة أن تُبقي أبواب الحوار مفتوحة، ربما لتوازن بين علاقاتها التقليدية مع الخليج والولايات المتحدة، وبين إدراكها أن أي معادلة إقليمية جديدة لن تكتمل دون طهران. وقد تجسد هذا الاتجاه في لقاء السيسي بنظيره الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة الدوحة العربية الإسلامية الطارئة، حيث ناقشا ملفات غزة والعلاقات الثنائية وتبادلا رسائل انفتاح محسوبة. وهو ما بدا من تحركات خليجية شبيهة خاصة بين الرياض وطهران. هذا التقارب، حتى وإن كان بطيئًا وحذرًا، يعكس أن الخريطة السياسية تتحرك في اتجاه غير مألوف، وأن دوائر التحالفات تتغير بفعل ضغط الحرب.

ولعل الأهم من كل ما سبق هو نبض الشارع المصري نفسه. فالمزاج العام في مصر لا يحتاج إلى مؤشرات دقيقة لقياسه، الغضب الشعبي من السياسات الإسرائيلية يتجاوز الحسابات الأمنية الضيقة. ورغم القيود المفروضة من النظام المصري الأمني والذي يخشى حركة الشارع وينظر إليها كمهدد لاستقراره حتى ولوكانت التظاهرات لشأن خارجي، فإن الحملات الشعبية لمقاطعة المنتجات، وحالة التعبئة في الإعلام المعارض والموالي، كلها تؤكد أن المجتمع المصري في حالة استنفار لا تقل عن استنفار الجيش وتعبئته في سيناء. هذه الحقيقة تدركها الدولة جيدًا، وتحاول الموازنة بين حاجتها للحفاظ على استقرار داخلي شديد الهشاشة وبين ضرورة التعبير عن موقف صلب أمام إسرائيل. ومن هنا يمكن فهم مشاركة مصر في المناورة البحرية مع تركيا ليس فقط كرسالة عسكرية، بل أيضًا كتنفيس لمزاج شعبي يرى أن إسرائيل تجاوزت كل الخطوط الحمراء.

المقال لا يكتمل دون الإشارة إلى أن هذا المشهد المركب لا يخلو من تناقضات. فمصر وتركيا، في ظل النظامين الحاليين ورغم تقاربهما الحالي، يراه محللون تقاربًا تكتيكيًا ما زالت بينهما ملفات خلافية تتعلق بليبيا وشرق المتوسط. وقد صرح وزير الخارجية هاكان فيدان أن قوة العلاقات الآن بين البلدين وصلت إلى مستوى غير مسبوق. والسعودية، رغم تلويحها بخيار نووي باكستاني، ما زالت تفاوض واشنطن على ترتيبات أمنية تتعلق بالتطبيع مع إسرائيل. والإخوان، رغم إعلانهم استعدادهم للتضحية دفاعًا عن الوطن، ما زالوا في مواجهة مفتوحة مع النظام المصري بصورة يزيد من وتيرتها قمع النظام المستمر لهم. وحزب الله، وإن دعا إلى فتح حوار مع السعودية، فإنه لم يخرج من عباءة إيران أو ينقطع عنها، بل يظل جزءًا من أيديولوجيا سياسية وعقائدية مرتبطة بمصير مشترك، لتبقى السياسة الإيرانية–السعودية كما هي، في مسار متأرجح بين المواجهة والتهدئة. لكن القراءة الأعمق تقول إن هذه التناقضات لم تعد قادرة على حجب الحقيقة الأساسية: أن الخطر الإسرائيلي، في ظل حرب غزة، فرض نفسه كقاسم مشترك يتجاوز الانقسامات.

ومع ذلك، فإن كل هذه التحركات لا تعني أن الولايات المتحدة فقدت السيطرة على قواعدها الجيوعسكرية في المنطقة. فالعلاقة الأمريكية مع المؤسسة العسكرية المصرية ما زالت راسخة، والقواعد الأمريكية في السعودية واتفاقات الدفاع والحماية العسكرية قائمة كما هي، وباكستان ما تزال مرتبطة بالحلف الأمريكي، وتركيا ركيزة من ركائز حلف شمال الأطلسي (الناتو). كما أن المصالح الاقتصادية والسياسية الأمريكية في المنطقة لم تتأثر أو تتغير، ولا أدل على ذلك من سلوك قطر بعد ما تعرضت له من عدوان، إذ سارعت إلى إعادة تأكيد التزاماتها واتفاقاتها مع واشنطن. لكن خطورة المرحلة الحالية وما يسعى نتنياهو لفرضه من قواعد جديدة للمنطقة جعلت القوى الكبرى تعيد حساباتها وتستغل هوامش الضغط المتاحة، لتبدأ معركة عض الأصابع حتى مع الولايات المتحدة ذاتها. فالمعركة وجودية تهدد هذه الدول وأنظمتها وهذه الرسائل واضحة لواشنطن، والتي يري محللون امريكيون أن إدارتها ترى أن نتنياهو منذ السابع من أكتوبر أشعل المنطقة وهو يدفعها إلى الخروج عن السيطرة الأمريكية، في مشهد مكلف ويهدد مباشرة المصالح الأمريكية وبدا ذلك من تحركات وتصريحات تخرج من الكونجرس الأمريكي في سباحة عكس تيار اللوبي الصهيوني.

الأسابيع المقبلة ستكشف ما إذا كانت هذه اللحظة مجرد حالة انفعال ظرفي أم بداية لتشكّل جديد في بنية القوة العربية–الإسلامية. لكن المؤكد أن المناورة البحرية المصرية–التركية لم تكن لتحدث لولا هذا الإحساس بالخطورة، وأن حديث بن سلمان عن شراء قنبلة نووية من باكستان لم يكن ليُقال لولا هذا الإدراك بأن المظلة الأمريكية لم تعد كافية، وأن تصريحات الإخوان عن تنحية الخلافات لم تكن لتُطلق لولا هذا الشعور بأن التحدي أكبر من أي حسابات سياسية داخلية، وأن حزب الله ما كان ليدعو للحوار مع الرياض لولا ادراكه بأن مأزقاً وجودياً مشتركًا يجمع بينه وبين السعودية، من هنا يمكن القول إن بحر الصداقة ليست مجرد تدريب عسكري، بل عنوان لمرحلة جديدة تُعيد صياغة موازين القوى في المنطقة، وتجبر الجميع—حكامًا ومعارضين، دولًا وحركات—على التفكير بصوت واحد أمام عدو واحد.