Skip to main content
قمة الدوحة 2025

قطر عند المفترق.. قمة الدوحة القوة الناعمة بين رهانات الشعوب وغطرسة السلاح

جاءت دعوة قطر إلى عقد القمة العربية–الإسلامية الطارئة في الدوحة كردّ فعل طبيعي وسريع على العدوان الإسرائيلي الأخير، وإن كان بعض المراقبين يرونه شكليًا لدول لا تمتلك أدوات الردع العسكري ضد الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن الأمر بالنسبة للإدارة القطرية يتجاوز حدود رد الفعل إلى تموضع محسوب في معادلة إقليمية ودولية معقدة.

فالدولة الصغيرة في مساحتها وقدرتها العسكرية تدخل ضمن معادلة الأمن الخليجي–النفطي للمنطقة، وإدارتها السياسية اكتسبت خبرة البيت السياسي القطري الحاكم منذ عقود والمدرك أن قيادات الدول العربية والإسلامية لم ولن تقدّم سوى بيانات الاستنكار والإدانة التي تنتهجها منذ سنوات، وأن غزة نفسها عانت لعامين من العدوان بلا أي رد عسكري من دول الجوار باستثناء إسناد متأخر ومحدود وبسياقات مختلفة من إيران.

كما تدرك الدوحة أن معادلة القوة الحقيقية تخضع لهيمنة أمريكية تجعل أي مواجهة عسكرية إسلامية أو عربية خيارًا غير واقعي، ولذلك فهي تحاول التحرك بأدواتها التي استثمرت فيها لعقود لإحداث فاعلية وحماية: كالدبلوماسية، والإعلام، والموارد الاقتصادية والمالية الكبيرة.

انعقاد القمة على الأراضي القطرية حمل دلالات رمزية، فمن جهة تحاول الإدارة القطرية طمأنة الرأي العام العربي والإسلامي بأنها ما زالت آمنة ومستقرة وقادرة على احتضان قيادات عليا وشخصيات بارزة رغم العدوان، وهو ما سبقه مشهد حضور قادة من حركة حماس في عزاء الشهيد القطري بدر الدوسري، ليؤكد أن الدوحة رغم العدوان تحاول أن تكون آمنة. وعلى الجانب الآخر، كان نتنياهو يتحدث متزامنًا مع القمة عن محاولته كسر العزلة المفروضة على إسرائيل، لكن صورة الدوحة التي جمعت ٥٧ دولة على أرضها، وفي حضور عالِ المستوى من القادة والرؤساء والوزراء، بدت وكأنها تدفع إسرائيل نحو عزلة أعمق مما يحاول نتنياهو كسرها. ولم يكن انعقاد القمة هو التحرك الوحيد للدوحة، بل نسّقت قطر جهودها على عدة مسارات خارجية

فتحركت داخل مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة لتكريس روايتها عن العدوان وإظهار إسرائيل كدولة مارقة يقودها يمين متطرف منبوذ دوليًا، كما نشطت على خط واشنطن عبر لقاء رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري مع نائب الرئيس ووزير الخارجية الأمريكي في البيت الأبيض، ثم مشاركته في عشاء مع الرئيس ترامب في نيويورك قبل القمة التحضيرية لوزراء الخارجية بيوم واحد. وفي التوقيت نفسه، قام وزير الخارجية الأمريكي بزيارة إلى إسرائيل، لم تكن ضمن مسار دولي واسع كما حاولت بعض الدوائر تصويرها، وإنما بدت كمحاولة أمريكية مباشرة لمساندة نتنياهو وفرض نوع من “الكنترول” على تحركاته الأمنية والسياسية الدولية التي زادت من عزلة تل أبيب دوليًا.

وهكذا، ورغم أن المخرجات النهائية للقمة قد لا تتجاوز الشكل البروتوكولي والبيانات التقليدية، فإن الرسالة السياسية التي أرادت قطر إيصالها قد تحققت: تضامن عربي وإسلامي واسع معها، في مقابل اتساع دائرة الإدانة والعزلة على إسرائيل.

وتأتي هذه القمة في ظل بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد. فقبل العدوان الإسرائيلي على قطر، وقعت ضربة إيرانية في يونيو الماضي أدانتها نفس الدول التي شاركت في قمة الدوحة، غير أن التحرك القطري كان مختلفًا كما كانت الأحداث. فقد جاءت الضربة الإيرانية ردًّا على هجوم أمريكي، وفي سياق وقف حرب قصيرة استمرت ١٢ يومًا بين طهران وتل أبيب. واستهدفت الضربة قاعدة العديد العسكرية الأمريكية، لكنها بدت أقرب إلى عملية “حفظ ماء الوجه” بتنسيق أمريكي–إيراني، إذ لم تُسفر عن أضرار تُذكر وجاءت محسوبة بدقة. أما الضربة الإسرائيلية على قطر فكانت مباشرة وغادرة، أصابت مدنيين وكشفت أن منظومة الردع القائمة والقواعد الأمريكية لم توفر الحماية. وكان يمكن للإدارة الأمريكية منعها سياسيًا عبر الضغط على إسرائيل أو التنسيق المبكر لتفاديها.

فضلًا عن قدرتها على منعها عسكريًا بما تمتلكه من منظومات دفاعية متطورة. وهنا تبرز معضلة وجود قاعدة العديد الأمريكية، التي تأسست عام ١٩٩٦م فبينما كان يُفترض أن تمثل درعًا واقيًا للدوحة، وأن مسؤوليتها لا تقتصر على حماية القوات الأمريكية بل تشمل أيضًا الدولة المضيفة، فإنها نجحت في احتواء ضربة إيران، لكنها عجزت بقدراتها عن منع أو اعتراض الضربة الإسرائيلية التي استهدفت الوفد المفاوض المدني لحركة حماس في مبانٍ سكنية مدنية، وهو الوفد الذي كان وجوده في الدوحة محل توافق مع الإدارة الأمريكية من أجل إتمام صفقات تفاوضية حساسة. وبينما نجحت قطر في حماية الوفد المفاوض أمنيًا، تعرضت روايتها كدولة أمام الرأي العام المحلي والعربي والإسلامي لهزة واضحة، وأُثيرت تساؤلات إقليمية حول جدوى وجود القاعدة الأمريكية كضامن أمني، بل وحول كلفة استضافتها مقارنة بمردودها الفعلي وقت الأزمات.

على الجانب السياسي، لا يمكن إغفال الضغوط التي تتعرض لها قطر منذ سنوات. فاللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة يمارس حملة متواصلة لتحجيم النفوذ القطري، وهو ما عبّر عنه ترامب صراحة حين قال إنه أبلغ الأمير تميم بالحاجة إلى حملة علاقات عامة. إلى جانب ذلك، هناك تحفظات خليجية وعرب

ية غير معلنة لكنها قديمة تجذرت منذ ما قبل حصار قطر ٢٠١٧م، تعود إلى مواقف قطر المستقلة في ملفات إقليمية وتنامي نفوذها وأثرها الدبلوماسي لتتعدى دولًا إقليمية كبرى، إضافة إلى دورها في الملف الفلسطيني وموقفها من الربيع العربي واحتضان الحركات الإسلامية والشخصيات المعارضة. وقد حاولت ا

لدوحة تخفيف هذه التحفظات بخطوات عملية منذ اتفاق العلا في السعودية عام ٢٠٢١م، إلا أن الشواهد تُظهر أن جزءًا من هذا المعسكر ما زال ينظر إلى قطر باعتبارها تغرّد خارج سرب المنظومة العربية والخليجية، أو على الأقل تحاول لعب دور أكبر مما يُراد لها.

وفي الحديث عن الواقع الحالي لا يمكن إغفال التاريخ القريب لهذه الدولة التي يتردد اسمها في الوساطات الدولية، فيظن المتلقي الغربي أنه أمام دولة لا تقل شأنًا عن إيران أو مصر أو تركيا كلاعب رئيس في الأحداث. فقد لعبت قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة دورًا مختلفًا جذريًا عن بقية دول الخليج، إذ مارست دبلوماسية مستقلة تمامًا عن محيطها، حيث نشأت قناة الجزيرة التي مثّلت نواة التثقيف السياسي للشعوب العربية. وكاتب هذا المقال يدين في تكوين وجدانه السياسي بمتابعته لهذه القناة التي مثّلت بشكل عام محوًا للأمية السياسية في العالم العربي، وكانت الرسالة الإعلامية التي تعبر عن نبض الشارع العربي والإسلامي.

كما دعمت قطر حراك الشعوب وأعطت مساحة للحركات الإصلاحية والثورية، وفتحت أبوابها للإسلاميين مثل الإخوان المسلمين وحركة حماس وطالبان، فضلًا عن استضافة الاتحاد العالمي علماء المسلمين الذي أسسه الراحل يوسف القرضاوي. وفي الوقت نفسه مارست السياسة الدولية والإقليمية بصورة جعلتها أحد أقرب أصدقاء الولايات المتحدة، إذ أسست قاعدة العديد العسكرية الأمريكية، وهي الأكبر في المنطقة، وفتحت مكتبًا تجاريًا لإسرائيل عام ١٩٩٦ م قبل أن تغلقه عام ٢٠٠٩ م بعد حرب غزة.

كما لعبت قطر دور الوسيط في نزاعات متعددة حول العالم تُوج بعضها بنجاحات مهمة، وتولّت ملفات عديدة في غزة حيث ساهمت في التخفيف من وطأة الحصار وإعادة الإعمار. وقداستطاعت بذكاء غير مسبوق أن توازن بين قبول الشعوب لسياساتها، وحفاظها في الوقت ذاته على علاقتها المتينة بواشنطن.

هذا الدور المركب – في الجمع بين دعم الحركات الشعبية والتعامل مع القوى الدولية والإقليمية– لم تستطع أي دولة أخرى في المنطقة أن تجيده كما فعلت قطر. وهذه الصيغة المعقدة أكسبتها شرعية مزدوجة: ثقة الشعوب والحركات السياسية، وفي الوقت نفسه قبول القوى الكبرى.

لكن مع بروز جيل سياسي جديد، تغيّر المنظور. فمع ما شهدته المنطقة من تحولات ديناميكية متسارعة بعد تعثر الربيع العربي وظهور الثورات المضادّة التي أعادت المشهد العربي إلى أسوأ مما كان، يرى الجيل السياسي الجديد في قطر أن العلاقة مع الإسلاميين باتت استثمارًا مكلفًا وغير مربح، يمثّل ضغطًا إضافيًا وسباحةً عكس التيار الإقليمي.

وهو يقرأ مثلًا تجربة الربيع العربي بوصفها معركة خاسرة، لم تكن نتيجة قصور ذاتي فحسب، بل أيضًا بسبب سوء أداء النخب السياسية والإسلامية وضعف داعميها، في مواجهة دول قوية وراسخة تمتلك مؤسسات عميقة، واجهت قوى ناشئة غير متمرّسة في إدارة الحكم، مدعومة بعناصر إقليمية ودولية حفّزت هذا الاختلال.

هذه القراءة دفعت القيادة الجديدة إلى انتهاج سياسات أكثر براغماتية، فقد جاءت المصالحة الخليجية–العربية عبر اتفاق العُلا، مع سياسة جديدة بدت تكتيكية بين الأطراف، بدأت بالتهدئة الإعلامية، مرورًا بتنظيم كأس العالم كأكثر النسخ نجاحًا رغم مخلفات الحصار وحملات التشويه، وتخفيف حدة خطاب الجزيرة تجاه الأنظمة العربية، وصولًا إلى تأكيد دور الدوحة كوسيط إقليمي موثوق.

هذا التوجه يشبه إلى حدٍّ بعيد ما قامت به تركيا بعد تعثر الربيع العربي، حيث تبنّت سياسة أكثر واقعية لحماية مصالحها والتكيف مع التوازنات الإقليمية. وما المشهد الأخير الذي عكس التضامن الخليجي – من خلال زيارة رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد لقطر بعد العدوان، وحضور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان القمة الطارئة في الدوحة – إلا دليل على هذا المسار الجديد.

في خلفية المشهد الدولي، يبرز معسكر شرقي متنامٍ تقوده الصين وروسيا وتلتحق به قوى مثل كوريا الشمالية، في مواجهة المعسكر الغربي الأمريكي. أوروبا بدورها باتت تضغط لتخفيف الاستقطاب في المنطقة، بعد أن أدركت أن صعود اليمين المتطرف في أمريكا وإسرائيل يمثل سببًا رئيسيًا لدفع نحو عدم الاستقرار. وهكذا تجد قطر نفسها في قلب معادلة دولية أكبر، تحاول أن توازن بين علاقتها بالغرب والولايات المتحدة وقوى المنطقة، ومجالات الحركة التي يتيحها لها هذا المعسكر الشرقي الصاعد.

إن دعوة ترامب لحملة علاقات عامة قد تساعد قطر على تحسين صورتها في واشنطن، تبقى من نافلة القول في ظل أن المناخ الحالي وصعود اليمين يقفان حجر عثرة أمام تحقيقها، فرضى واشنطن بقيادة اليمين أمر تعجز عنه حتى أقرب الأنظمة العربية لها في ظل الغطرسة الصهيونية لليمين الإسرائيلي. وما تحتاجه قطر في الحقيقة هو الاستمرار في سياستها الإقليمية المتوازنة حيث القبول الشعبي، فقمة الدوحة الأخيرة شهدت تعاطفًا سياسيًا وشعبيًا غير معتاد. ففي مصر وحدها أصدرت أغلب التيارات السياسية، وخاصة المعارضة وعلى رأسها الإخوان المسلمون، بيانات تدعم الموقف القطري، إضافة إلى ضرورة الاستمرار في خط الحفاظ على العلاقات الإقليمية مع تركيا وإيران ودول الخليج ومصر. ولا سيما وقد بدا أن دول المنطقة بدأت تدرك أن الموقف القطري الداعم لفلسطين وللشعوب أكثر قبولًا من المشروع الإسرائيلي التوسعي الذي يقوم على التهجير وإعادة رسم خرائط المنطقة فيما يسميه نتنياهو “الشرق الأوسط الجديد”.

ولهذا فإن تمسّك قطر بسلاحها الإعلامي واستثمار قوتها الناعمة ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة استراتيجية، يجب أن يُعاد الاستثمار فيه بقوة وألّا يخضع للنزع الذي تطالب به الولايات المتحدة وإسرائيل مع المقاومة الفلسطينية. وهو ذات القرار المعيب الذي صوّتت عليه الدول العربية، والإسلامية في مجلس الأمن، ومن بينهم قطر، في بيان يدين المقاومة ويطالب بنزع سلاحها، وهو الحق الذي كفله القانون الولي ومواثيق الأمم المتحدة، وافتأتت عليه الدول العربية والإسلامية في الأمم المتحدة، وإذا اعتُبرت قناة الجزيرة سلاحًا، فهناك حول العالم من يطالب بنزعه وعلي رأسها إسرائيل، وتؤيدها الولايات المتحدة الأمريكية ودولاً عربية باعتبار الجزيرة مثلت خصماً ومهدداً للأنظمة بما تقدمه من رسائل تعبر عن الشارع، فيكون إذاً من الخطأ أن تقويض رسالتها، والتي كادت بالفعل قبل سنتين أن تفقد مصداقيتها لصالح ملفات دولية ثانوية غطت جل ساعات عرضها اليومي وهي بعيدة لا تخص المواطن العربي، مثل الحرب الروسية–الأوكرانية، مع تجاهل القناة للأحداث المهمة في العالم العربي خشية توتر العلاقات مع الأنظمة. حتى شاءت الأقدار أن يأتي “طوفان الأقصى” ليعيدها إلى قلب المشهد العربي. وعودة الجزيرة تعني بالضرورة عودة قطر إلى موقعها الطبيعي كفاعل رئيسي في وجدان الشعوب.

في ضوء هذه المعطيات، لا يمكن لقطر أن تتراجع عن دورها أو تنسحب إلى مربع “دولة خليجية تعيش رفاهية” تخرج من معادلات القوة الفاعلة. فالتراجع، في ظل صعود دول خليجية أخرى شبيهة بحجم قطر تقوم بأدوار عابرة، ستكون عواقبه وخيمة على قطر والمنطقة معًا. كما أن استبعاد الشعوب من معادلة التغيير أمر خاسر على المدى البعيد، فحتى مع ضعف الحركات الإسلامية التي تنظم وتحشد الشارع العربي بعد الثورات المضادة، سيبقى الشارع العربي فاعلًا لا يمكن تجاهله. وإن لم تُمنح الشعوب فرصة لأن تكون طرفًا باختيارها، ستفرض نفسها كطرف بحكم التغيرات الكبرى المقبلة، خاصة مع تصاعد الغطرسة الصهيونية، وتغير موازين القوى مع بزوغ المعسكر الشرقي من جديد.